{إنهم فتية}

3D view from a cave looking out to a sunset sea with palm tree i

في كل جمعة نقرأ سورة الكهف .. ليضيء نورها ظلمات أرواحنا..

فهل تأملنا يوماً في ثنايا الآيات وتفكرنا في دواخلنا لماذا نأوي إلى ذلك الكهف كل جمعة؟ ولماذا أوى (الفتية) إلى الكهف؟ فخلد الله قصتهم في سورة سميت بالكهف!

تأملات عميقة في {إنهم فتية} بقلم الدكتورة كفاح أبو هنود أحببت أن يقرأها الجميع ..

{إنهم فتية}

هل تُدرك ماذا يَعني { إنَّهم فِتية } .. بإنّ التّوكيد ؛ التي تُنبّهك أنّهم أدمَنوا العِشق لله ، وقد كان الأصلُ أن يُراودهم الهَوى !

كان الأصلُ .. أن يَظلّوا في دوّامة صوت الجَسد .. وأن تَسحقهم أثقال الشّهوة .. لكنّهم رابطوا على البُزوغ لا على المَحاق !

{ إنّهم فِتية } ..

انبَعث فيهم حُلم الانعتاق .. تلاقوا على تَطهير دِمائهم من أحلام الغُواية .. وتوهّجوا في وقعِ أقدام العُبور !

جَعلوا بينهم وبين الانكسار حِجاباً .. وسكبَوا لله الشّبابا .. فانحفَرت في أعمارهم { ثلَاثمائة سِنين وازدَادوا تِسْعا } .. مَدّها الله مَدّاً .. إذْ أن الله يَجزي بالحسنة عَشر أمثالها ..

شَبابٌ .. كتب القُرآن أعمارهم تاريخاً مِن السّقيا !

{ إنّهم فِتية } ..

وكان ذلك يَكفي ؛ كي يَقِفوا مُحايدين على عَتبات التّردُّد .. تَجذبهم شَهوة الطِّين ، ويَصغُون لصوتِ الرّغبة في عروقهم ، ويتوزّعون على خارطةِ الدُّنيا بِلَذّاتها !

كيفَ انتَعل هَؤلاء الفِتية خِفافهم وانطلقوا خفافاً !!

كيف انغمَروا في عَتمة الدُّجى راحلين !!

وكيف كانوا يَنزعون عن النّهار بقيّة الّليل !!

{ فِتية } ..

سَهِروا على الحقيقة ؛ يحرُسونها من اغتيالِ العابثين .. فرَزقهم الله نوماً صاحبَتهم فيه نونُ المعيّة ، وكان الله بذاته يتولّى أمر { نُقلِّبهم ذاتَ اليَمين وذاتَ الشِّمال } ..

بنونِ الجَلال والكَمال .. التي إذا آوَت عبداً ؛ جعلَت له مِن الكهف مأوى .. حتَّى تَقِف الشّمس مُرتعشة تَزاور عنهم .. كأنّها تخشى أن يَسبق منها شُعاع ؛ فَيرقظ المُعجزة قبل الآوان !

{ إنّهم فِتية } ..

وكان كلّ فتَى نسيجَ وحده !

هل تفهم ما معنى ذلك .. مَعنى أن تقبِض على تَفرُّدك ؛ فلا تأذَن للتّشوّه أن يكتُبك !

هل تفهم معنى .. أن تُصرّ أن لا تكون رقماً .. وتظلّ إنساناً مُختلفاً له قياماً طويلاً !

هل تَفهم .. لماذا رحلَوا الى الكهف .. الى حُلم فوق الواقع .. الى شُبهة أمل !

تأمل معي أنهم كانوا { فِتية } .. لم يملكوا إلا الانسحاب من المُستنقع ؛ كي يظلّ المِسك في الثّياب رغم تَراكم العَفن في كلّ مكان !

إذ ما اصعَب أن تصيد وُجودك .. أن تلمّ ذرّاتك كنور منتثِر هنا و هناك .. تَجمعه ثمّ تنفُخه في الأرواح المُتآكلة مِن حولك ..

تُرَمِّم به الانهيارات العَميقة التي صَنعها الطّوفان !

وتِلك وحدَها ؛ بُطولة !

بُطولة ..

أن لا تأذَن للرّيح أن تُبعثِرك !

بُطولة ..

أن تهمِس بِحُروف المطر رغم الجَفاف !

بُطولة ..

أن تطوُف وحدَك بكعبة الأفكار ؛ والنّاس غرقى في الطّواف حول ذَواتهم !

بُطولة ..

أن لا تُغنّي أغنية الجُموع الضّالة .. وتظلّ تُرتّل كلمات السّماء ولو كنتَ وحدك !

بطولة ..

أن تُخبّىء خُضرة الرُّوح فيك ؛ حتّى يأتي أوانُ المَطر !

بطولة ..

أن تكون فتىً تصنعُ مَع أشباه روحك أمة ؛ يُسميها القرآن { فِتية } .. كتَبوا انتصار الثّبات على التّهميش ، وأصرُّوا على البقاء .. فصاروا لنا وصيّة كلّ جُمعة !

{ إنّهم فِتية } ..

هكذا كان الوَصف ..

وكان الوصف هنا ؛ رسالة قرآنية تقول لنا :

لا تأذَنوا لِمرَدة الّليل أن تُطفىء ناصِية الفَهم فِيكم .. حتّى لو كُنْتُمْ فِتية في وَزنِ القِلّة !

 🔹د.كِفَاح أَبو هَنّوْد

Advertisements

هل أصبحتِ ربة بيت ؟

ربة بيت

قفز في عقلي موقفٌ  مرت عليه سنوات طوال ،لكنه مازال يراودني في أحيانٍ كثيرة..

قالت لي إحدى معلمات المواد العلمية التي درستني في المرحلة الثانوية عندما رأتني في إحدى المحاضرات العامة : آه.. أسما.. ماذا تفعلين الآن؟ يبدو أنك أصبحتِ ربة بيت! بدت ملامح وجهها كئيبة جداً..

ابتسمت بمضض وقلت لها : نعم!

نعم معلمتي.. أنا أمٌ جديدة أخوض مغامرات الأمومة لأول مرة ، كما أنني أدرس الماجستير بعد تخرجي بامتياز ولله الحمد ، لكي لا يتوقف طموحي بعد التخرج !

أدرت وجهي عنها وفي ذهني تتقافز الأفكار المزعجة.. ربما لم يثر إعجابها ما أنا عليه ، بل على العكس فقد أُحبطت وكانت ملامح وجهها تفسر كل شيء .. لم يُعجبها بأن طالبتها المتفوقة في المواد العلمية لم تدرس تخصصاً علمياً في الجامعة ، ولم تعمل في وظيفة حكومية مرموقة.. فالنجاح في منطقها لا يكون إلا بتلك الطريقة!

وتساءلت في داخلي : هل أنا على خطأ ؟

فحدثتني نفسي حديثاً طويلاً ورقيقاً وكنت لها منصتة وكأنها تحاول أن تزيل الغبش الذي أصاب رؤيتي فقالت :

  • هل يعني عدم عملي في وظيفة أني لا أقوم بأي عمل ذي قيمة؟ فأنا أقرأ وأدرس وأهتم بزوجي وطفلي وأطور نفسي وأشارك في الكثير من الفعاليات والأنشطة واستمتع في حياتي بما يرضي ربي وضميري ويشعرني بالراحة والرضا ..
  • هل من المفترض أن يضغط الواحد منا على نفسه ويقلق راحة أسرته وأبنائه ومن هو مسؤول عنهم ليرضي الآخرين ، ويُشبع رغبتهم في تحقيق الصورة الذهنية للنجاح المتجمدة في عقولهم منذ سنوات؟!
  • النجاح والإنجاز ليست صورة محدودة في إطار معين ، إن حققتها كما هي و بحذافيرها فأنا ناجح وإن لم أحققها فأنا فاشل ! فما يعتبر نجاحاً عند شخص قد لا يساوي عند آخرين شيء.. في حين أنه قد يعني له قمة الإنجاز والسعادة..
  • لا يبقى الإنسان في مكان واحد أو دور واحد في الحياة ، تتبدل أدواره بدوران الأيام وتغير المسؤوليات.. كان دوري في ذلك الوقت أن أكون طالبة جُل مسؤليتي تتمثل في مذاكرة دروسي فأديته على أكمل وجه ، ثم أصبح دوري أن أكون زوجة شريكة حياة واجتهدت لأن أُنجح ذلك المشروع العملاق فأسعد زوجي وأبني علاقة زوجية ناجحة تسودها المودة والرحمة ، ثم أكرمني الله لأصبح أماً ومربية.. مسؤولة عن طفل صغير-كائن جديد على هذه الأرض- فتعلمت وقرأت وجربت ، أصبت وأخطأت وسعيت لأكون أماً ناجحة وقدوة حسنة ، فابني على رأس أولوياتي وأهم مشروع في حياتي؛ وهبنيه الله ذرية طيبة بعد انتظار أعوام، فلن أتركه في يد أخرى تربيه لأجري خلف وظيفة تحقق لي الرضا في عين المجتمع أو المكانة المرموقة التي تتمتع بها الموظفة على حساب الكثير من الأمور الشخصية..
  • قد يحصر المرء نفسه في صورة يمليها عليه المجتمع لمراحل حياة الناجح  : دراسة ، وظيفة، زواج ، انجاب ، بيت ، سفر .. فإن أتت رياحه بما لا تشتهي سفنه .. غرق في بحر لا قعر له من أحكام من حوله ، ونظرتهم له ، تلطمه أمواج الإحباط والشعور بالإخفاق، وتتملكه رياح الحيرة فيظن أنه على خطأ والصواب أن يجاريهم ويحقق طموحهم لا طموحه هو!
  • هذه ليست دعوة للتقاعس عن العمل المجتمعي والإسهام في بنائه وإنما هي دعوة للالتفات للبيت الداخلي وترتيب الأولويات في الحياة وتحديد المسؤوليات كل حسب اختياراته.. فليس بالضرورة كل موظفة ناجحة وطموحة وكل ربة بيت فاشلة وكسولة كما يصور لنا بعض الأشخاص..

 

فأرجوك معلمتي العزيزة..

لا تجعليني أشعر بالحرج لمجرد وصفي (بربة بيت) أو أن أخجل لأخبرك بأني لست موظفة..

كثيرات من صديقاتي شاركنني ذات الشعور لمجرد أنهن رتبن أولوياتهن و جعلن البيت الداخلي على رأس القائمة..

فلا تجعلوا كلمات الآخرين وتعليقاتهم السلبية تؤثر في حياتكم، أو تهز قناعاتكم بما تقدمونه لأنفسكم ومن حولكم والعالم..وفي المقابل انتقوا كلماتكم التي تلقونها بغير اكتراث على الآخرين.. لا تطلقوا الأحكام على خيارات الآخرين.. أو تشوهوا الألقاب الجميلة و تحملوها ما لا تحتمل..

……………………….

مضيت ومضت معلمتي التي أحبها وأكن لها كل احترامي وتقديري ..

رحلت هي وبقيت كلماتها التي تذكرني دائماً بأن الحياة خيارات وكل منا يختار ما يناسبه و يسعده ويشعره بقمة الرضا والاستمتاع..

أنا هنا والآن..

كثيراً ما كانت أوقاتي مسروقة في التفكير في الماضي وتقليب سجل الذكريات والمواقف التي مرّت .. كنت أتحسر على ما كنت عليه.. على الهالة التي كنت أعيش فيها مرتاحة ، ومقارنتها بما أصبحت عليه.. أو بالأحرى ما فقدته ولم أعد أملكه، وأتمنى أن يعود..

مرت بي أحداث كثيرة وكبيرة خارجة عن إرادتي ساقتني لقدري .. قلبت مسار حياتي رأساً على عقب ، أصبحت بعدها عاجزة عن السيطرة على أفكاري ، فهي تارة تبكي على ما مضى وتارة تتأمل المستقبل الذي لم يأت بعد ، وتحشد أيامه بالآمال والأحلام والتوقعات التي مازالت في علم الغيب..

شعرت للحظة بأنني عشت مغيبة عن الحاضر ذهنياً..

وبين هذا وذاك.. عشت واقعي.. أنتظر ما قد تحمله لي الأيام.. عاملة بالأسباب دون روح أو رغبة في عيش يومي بحماسة ، ورغم ذلك كله فالأيام تمضي مثقلة , لأنها لم تكن كما أريد..

و عمري يمر من بين يدي..دون أن أشعر بقيمته..

أنهيت الماجستير ، حرصت على الاهتمام بتربية ابني ذو الستة أعوام ، ولدي مشروع صغير أديره في قمة نجاحه ونشاطه..

إلى أن وقع مالم يكن في الحسبان .. حدث غيّر نظرتي للحياة بأكملها ..

وجعلني أسأل نفسي ألف مرة : هل هذه الحياة التي أرضاها لنفسي؟

هل سأترك الظروف المحيطة بي تسيطر علي دون أن أصنع لي واقعاً يرضيني؟

وتردد في مسمعي قوله تعالى : ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم )

أيقظني هذا الحدث برغم قسوته وتأثيره الشديد في نفسيتي لأعيش الواقع والآن.. فالماضي الذي أمني النفس به لن يعود وكل حدث مبهج مر بي خرجت منه بفرحة وذكرى جميلة ، وكل حدث تعيس وخيبة تعلمت منه درساً وأضاف لي خبرة..

أما المستقبل الذي لا أملك منه شيئاً فلماذا أثقله بالتوقعات..وإن لم يأت بتوقعاتي حزنت !!

ومنذ سنوات أنتظر أن يحدث مالم يحدث.. فهو خارج عن إرادتي وليس بيدي..

لماذا أحرم نفسي متعة الآن؟!

الآن أنا أملك الكثير وذهني الناضج نتاج كل تلك الأعوام التي مررت بها ، أنا ما هي عليه الآن

الآن هو ما أملكه.. هو كنزي ..وهو عمري الذي لن أفرط فيه لأتركه يذهب أدراج الرياح ..

ما الذي يمكنني فعله الآن هو ما يهم ، والذي أفكر فيه الآن هو ما يحدد سعادتي..

سأركز على ما بين يدي الآن ولن أفكر في المفقود حتى لا أفقد الموجود..

فقوة الآن هي التي ستحدد الغد وتترك أجمل ذكرى للأمس..

قررت أن أضع لوحة ( أنا هنا والآن ) أمامي دائما ..ليصحو عقلي من غفلته ..ولتؤمن روحي بأن الأهم هو الآن..

 ولأجعل هذه الأيام أجمل أيام عمري..

ذات بدء ..

حين تكون الكتابة مستراحاً للروح ، ودفئاً للشعور ، ومناراً للعقل ؛ أجد فيها ملاذاً آمناً لمركبي الذي يعبر أمواج الأيام بين دفتي عمري من الميناء إلى المرسى..

كانت هذه المدونة لنشر ما يلامس القلب ويخالط العقل .. بكل بساطة.. في خضم كل تلك الأحداث وحقبة الزمن التي أعيشها ، عوضاً عن بقاء الكلمات حبيسة الورق ، علها تُلهم حالماً ، أو تُسري محزوناً ، أو يحدث الله لها بعد ذلك أمراً..